نحو فهم هجوم داعش في الوادي الكبير
كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء! أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك!
محمود درويش
كان الهجوم الذي وقع في منطقة الوادي الكبير في 15 يوليو 2024، والذي أسفر عن 9 قتلى حسب التصريحات الرسمية، علامة فارقة في تاريخ عُمان السياسي بعد 1970، وينبئ بإشارات عديدة.
ردات فعل
أشار بيان شرطة عمان السلطانية إلى وقوع تسعة قتلى في "الحادثة".ويبدو أن إطلاق النار استمر ساعات طويلة، مما قد يشير إلى أن المهاجمين كان بحوزتهم أسلحة آلية.
هناك ملاحظتان لافتتان في بيان الشرطة. الأولى، أنه لم يطلق على الهجوم لفظ هجوم إرهابي، بل سماه "حادثة". الثانية، هو تقسيم البيان القتلى إلى ثلاث فئات، هي "شهيد" ينتمي إلى الشرطة، و"وفيات" من روّاد المأتم، و"قتلى".
من جانب آخر، علّق عديدون على الهجوم، الذين لم يضيفوا معلومات محددة، لكن كشف المعلقون العمانيون عن تصوّرات راسخة، نستعرض بعضها أدناه.
نفى السفير الباكستاني لدى السلطنة اضطلاع مواطنيه في الهجوم، قائلاً إن ذلك كان واضحاً من اللغة في فيديوهات الهجوم.
أشار بيان مفتي السلطنة سماحة الشيخ أحمد الخليلي إلى "حدث" وقع "بين إحدى الجاليات المقيمة في السلطنة"، وأن الاختلاف بين فئات الأمة "يجب ألاّ يؤدي إلى عدوان بعضهم على بعض". يلمّح الشيخ في بيانه إلى أن المهاجمين والقتلى هم من غير العمانيين. كما أنه لم يستخدم لفظ الشهيد.
رجّح الواعظ سيف الهادي أن يكون الهجوم "تصفية حسابات بين بعض الجاليات" التي لم يسمها، وقال إن الهجوم على المناسبات الدينية هو "عولمة حديثة صنعتها سياسات التدخل في شؤون الدول"، نافياً علاقتها بالدين والمتدينين.
كتب الإعلامي موسى الفرعي عن "أفكار دخيلة من شأنها أن تهدد استقرار الوطن" دون أنّ يبيّن ماهيّتها أو كيف دخلت. وألقى الفرعي مسؤولية الهجوم في السلطنة بسبب وقوفها "مع الحق.. والموقف العماني الشريف من القضية الفلسطينية واليمنية". وأضاف أن "لابد من ثمن لكل موقف مشرِّف عظيم، لأن سواد العالم يخشى الضوء".
نفى وكيل وزارة الأوقاف العمانية السابق، وائل الحراصي، أن يكون سبب "حادثة" الوادي الكبير دينياً أو طائفياً، مؤكداً أن دافعها "سياسي" بسبب مواقف السلطنة الحازمة تجاه القضية الفلسطينية، وأن "مراد العدو" هو أن توجّه نداءات لنبذ المذهبية.
قال المذيع العماني خالد الزدجالي عن الهجوم بأنه "لا داعي للضجيج وكثرة الحديث حولها أو نشر الإشاعات".
علّق المغرّد المجهول "أبو مستهيل" على الهجوم أنه "حدث بسيط عابر"، ثم قال واصفاً تغريدة نقلت تبني داعش الهجوم: إنها "إحدى نماذج الأبواق التابعه لقناة الحدث والعربية والشبكات المرتزقة التي أسستها أنظمة فاسدة".
تداولت وسائل التواصل الاجتماعي تعميماً صادراً من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في تاريخ 18 يوليو لخطباء الجمعة بالدعاء للضحايا في غزة وأداء صلاة الغائب عليهم بعد صلاة الجمعة.
رؤية داعش
أعلنت داعش مسؤوليتها عن الهجوم بعد وقوعه بساعات.
نشرت وسائل الإعلام في 11 مايو 2024 قرار القضاء الكويتي استمرار "حبس شبكة إرهابية تنتمي إلى تنظيم «داعش» الإرهابي كانت تخطط لاستهداف الشيعة والقوات الأميركية".
جاء في نشرة شهر يوليو من "صوت خراسان" التي يصدرها تنظيم داعش - خراسان إنذاره بوقوع هجمات في عموم المنطقة، وتركيزه "بشكل مباشر على تعزيز الإعلام والدعم والتجنيد وجمع التبرعات في جميع أنحاء وسط آسيا وجنوبها".
قال خبير الإرهاب فوّاز جرجس إن رسالة داعش تتمثل في بث "الكراهية الطائفية المفرطة والإبادة الجماعية".. ويكون لهجماتهم "تأثير مضاعف" يتجاوز صداها حجم التنظيم الحالي.
نشر مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت في يوليو 2024 وثائق داخلية لداعش جاء في أحدها أن قيادة داعش وداعش اليمن سعيا منذ 2017 إلى توسعة عمليات التنظيم إلى السلطنة والإمارات لضرب سفارات غربية، باستخدام وحدة انغماسين (كوماندوز)، سواء بالأسلحة أو الأحزمة الناسفة. كان التحدي الرئيس هو الترتيب اللوجستي للعملية، المتمثل في نقل الأسلحة من اليمن إلى السلطنة، وقد زوّدهم عضو عماني في داعش بمعلومات عن إدخال الأسلحة إلى عمان وإيصالها إلى وجهتها وطبيعة الوضع الأمني في البلاد، ووعد بترتيب الاستعانة "بعمانيين نظيفين" آخرين وترتيب زيارتهم إلى اليمن لتدريبهم. وأراد التنظيم كذلك استخدام عُمان معبراً للأسلحة والعناصر إلى الإمارات.
شارك عمانيون في سنوات ماضية في عمليات القاعدة وداعش في العراق وسورية وأفغانستان.
خلفيّة
اتجهت الدولة في عُمان منذ عام 2011 لدعم المؤسسة الدينية وتقوية النزعة المحافظة في المجتمع بطرق شتى، مما أدّى إلى ازدياد الاستقطاب في السلطنة منذئذ.
ساد الخطاب الديني بدرجة مطلقة في السلطنة بعد وفاة السلطان قابوس - رحمه الله - في عام 2020، وكان من ضمن تداعياته:
إلقاء القبض على عدد من العمانيين بعد حملة تحريض شرسة في القضية المعروفة "بمساحات غيث" في عام 2021، وصدرت بحق عدد منهم أحكام بالسجن.
اندلاع حملة صاخبة ترفض زيارة معلم اليوغا الهندي سادغورو للسلطنة في عام 2022.
شحن ديني واجتماعي شديد في أثناء حرب غزة، شجّعته الدولة ووسائل الإعلام، ساهم في زيادة الاستقطاب في البلاد، وظهر في استعراض حمل السلاح في إحدى مدارس اليافعين.
حدوث توتر مجتمعي إثر الخلاف في تحديد عيد الأضحى نجم عنه اعتقال أفراد من قبيلة المعشني في ظفار (قرب اليمن)، مما يؤشر إلى احتمالية أن يكون للاستقطاب تداعيات على أرض الواقع.
تقييم
في الجانب الأمني
إن تنفيذ خلية مكونة من إخوة للهجوم هو عامل مطمئن يفيد بمحدودية تأثيرهم الأفقي، غير أن هذا لا ينفي وجود خلايا عنقودية أخرى في المجتمع، خاصة في ظل التحاق أفراد عمانيين بداعش والقاعدة، سواء في اليمن أو غيرها.
تثير نوعية الأسلحة المستخدمة وكميتها أسئلة عن شبكة تهريب السلاح وتخزينه، وكيف تمكنت من تنفيذ الهجوم في السلطنة.
في الجانب الاجتماعي
الخطاب الشعبي العماني تسوده حالة رومانسية تقترب من النرجسية، ولن ينجم عنها خير كثير. نرى ذلك في:
نكران سواد المعلقين العمانيين أن يكون المهاجمون عمانيين - رغم الإشارات الدالة -، ووصفوا الحادث بأنه "حادث بين الجاليات". انطلق هؤلاء من سردية رسمية راسخة بأن عمان بلاد سلام، والعمانيين شعب مسالم.
اعتبار جزء وازن منهم الهجوم ثمناً أو ضريبة لمواقف السلطنة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية، ملمحين أنه من تدبير دولي.
اتجهت الدولة - عبر إعلامها الرسمي وكذلك منافذها غير المباشرة - إلى التقليل من شأن الهجوم، الذي وُصف بأنه "حدث بسيط عابر" و"لا داعي للضجيج" حوله. كما لم يصف الإعلام الرسمي الهجوم بأنه إرهابي، مما قد يشير إلى رغبة الحكومة في عدم إثارة الهلع العام، أو مواجهة تبعات الإقرار بوصول هذا النشاط السلطنة.
كان من اللافت أن بعض رموز التيار الديني سارعوا إلى إنكار مسؤولية الأفكار الدينية عن الهجوم.
استشراف
مع غياب مشروع تحديثي، اتجهت الدولة إلى تمكين الخطاب الديني المحافظ منذ عام 2011؛ من أجل تعزيز الخطاب الأبوي والتشنيع على من يروم الخروج على النظام الاجتماعي القائم. ومن الممكن تصوّر الآن سيناريوهان للتعامل مع مرحلة ما بعد هجوم 15 يوليو:
الأول: القيام بحركة تغييرية ينجم عنها مراجعة خطاب الدولة العام والخطاب الإعلامي والتعامل مع التشدد الديني.
الثاني: تعزيز الدولة المؤسسة الدينية للسيطرة الاجتماعية ومحاربة التطرف الديني، ثم التعامل مع التشدد الديني الناشئ عن خطابها عبر أسلوب "جز العشب" أمنياً.
نظراً، لعوامل سياسية متعددة، أرجّح أن تتبع الدولة السيناريو الثاني (الذين رأينا إشاراته في تعميم وزارة الأوقاف المشار إليه أعلاه)، رغم أنه يحمل خطراً كبيراً على المدى المتوسط، إذ إنه سوف يؤدي إلى زيادة الاستقطاب في المجتمع العماني، وقد تستغل داعش أو منظمات أخرى ذلك لمعاودة الكرّة محدثة موجات "التأثير المضاعف" باستراتيجيتها المعهودة "الصدمة والترويع"، وسترتفع تكلفة ذلك في كل كرّة.



